عمار نجم الدين : تكساس تضرب أولًا: قرار تنفيذي بتصنيف جماعة الاخوان كتنظيم ارهابي - صوت الوحدة

عمار نجم الدين : تكساس تضرب أولًا: قرار تنفيذي بتصنيف جماعة الاخوان كتنظيم ارهابي

في اللحظة التي أعلنت فيها ولاية تكساس يوم أمس 18/11/2025
تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية عابرة للحدود، لم يكن ذلك قرارًا تنفيذيا محليًا — بل كان إنذارًا عالميًا. فالخطوة جاءت بعد عقود من تردد المؤسسات الفدرالية في مواجهة بنية الإسلام السياسي، وهي الآن تضغط على واشنطن لرفع الغطاء، وللاعتراف بأن الإخوان ليسوا حركة اجتماعية أو سياسية، بل شبكة دولية تعمل بآليات موازية لشبكات الجهاد المعولم. قرار تكساس كشف هشاشة الموقف الفدرالي، وجعل مسألة التصنيف القومي مسألة وقت، لا خيار.

وإذا كانت هذه الخطوة قد أربكت المشهد الدولي، فإن السودان — قبل ثلاثة عقود — كان نقطة البدء التي سبقت كل هذا؛ كان مسرحًا صناعيًا مُعدًّا لتجارب الإسلام السياسي العابر للقارات. في الخرطوم، وبغطاء دولة كاملة، صُنعت النواة الأولى للقاعدة. ومن السودان خرج أسامة بن لادن للعالم، ليس كفرد هارب، بل كرأس شبكة ترعاها حكومة وتوفر لها التمويل، الأرض، المأوى، والقدرة على الحركة. هذه ليست رواية محلية؛ أرشيف وزارة الخزانة الأمريكية، وتقارير CIA، ووثائق لجنة 11 سبتمبر، كلها تتفق على أن السودان بين 1991 و1996 كان مركز التخطيط والتمويل والتجنيد والتدريب، وكان “عاصمة الجهاد العالمي”. كما كان أيمن الظواهري يتنقل داخل السودان بحرية مطلقة، وكأن الدولة نفسها جزء من البنية التنظيمية.

وفي قلب هذه المنظومة ظهر جبريل إبراهيم — ليس كوزير مالية لاحقًا، بل كجزء عضوي من الآلة الجهادية. فقد كان مرتبطًا ببنية التمويل التي أسسها بن لادن داخل السودان عبر شبكات اقتصادية وواجهات متعددة، من بينها شركة عازة للنقل، التي عملت ضمن منظومة لوجستية واسعة خدمت مشروع الحركة الإسلاموية. وتشير وثائق أمريكية إلى أن جبريل كان ضمن الدائرة المقربة للترابي، ومكلفًا بمهام لوجستية ومرافقة داخل النظام، في بنية دمجت المال بالعنف السياسي.

وبينما كانت شركة عازة تقوم بالنقل الجوي ، كانت “البشمركة السودانية” تنفذ عمليات تطهير عرقي: قتل على أساس الهوية، تهجير جماعي، حرق القرى، وإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية بالقوة. الجنوب، جبال النوبة، النيل الأزرق — كلها كانت ساحات حرب لإخضاع المجتمعات الأفريقية غير المسلمة. وفي موازاة ذلك، لعبت “شركة عازة للنقل الجوي” دور الذراع الجوية للمشروع الإسلاموي، إذ استخدمت كناقل للذخائر والمقاتلين من دول عربية وآسيوية، بما في ذلك عناصر تلقت دعمًا من الحرس الثوري الإيراني. كانت رحلاتها تُسجَّل كشحن أو إغاثة، لكنها تحمل في بطنها ما يغذي الحرب: رجال، ذخائر، وخطاب عقائدي مسلح.

ومع اندلاع الحرب الأخيرة، ظهرت “كتائب البراء بن مالك” بصورة رسمية عام 2023، لتكشف أن البنية الجهادية القديمة لم تختفِ، بل أعادت إنتاج نفسها في شكل أكثر تطرفًا. فهذه الكتائب ليست جماعة جديدة، بل الامتداد العضوي للمجموعات الجهادية التي صنعها أسامة بن لادن داخل السودان بالتعاون مع الإخوان المسلمين في أن عددًا من القيادات التي مارست أعمال الإبادة والتهجير في التسعينات ضمن المجموعات الإسلاموية — مثل الناجي مصطفى والناجي عبد الله — أصبحوا اليوم جزءًا من القيادة الفعلية للبراء بن مالك. بل ويُعاد ذكر اسم المجهاد الارهابي جبريل إبراهيم نفسه ضمن هذه البنية الممتدة، بحكم دوره التاريخي في شبكة بن لادن وارتباطه الإداري واللوجستي بشركة عازة وشبكات التمويل التي دعمت الحركة الإسلاموية.
وعلى الأرض تواصل البراء بن مالك تبني منهج داعش نفسه: ذبح على الهوية، ترويع المدنيين، والاعتداء على دور العبادة. وما حدث في الخرطوم الأسبوع الماضي من هدم زاويا صوفية ليس حادثًا معزولاً، بل إعلان رسمي لعودة الذهنية التكفيرية نفسها التي فجّرت الأضرحة في العراق وسوريا .
ولا يمكن فهم حجم المشروع دون العودة إلى مؤتمر “الشعبي الإسلامي” في الخرطوم عام 1991، حين اجتمعت قيادات الجهاد العالمي تحت سقف دولة واحدة: بن لادن، الظواهري، الجهاد المصري، حماس. في تلك اللحظة، نُسجت الشبكة التي جعلت السودان منصة انطلاق استراتيجية للمشروع الجهادي المعولم.

واليوم، النظام في بورتسودان ليس نظامًا وطنيًا كما يُقدَّم، بل الامتداد الأخير لنفس الشبكة التي صنعت القاعدة، وحرّكت البشمركة، وصنعت البراء بن مالك، ووفرت الغطاء لشركات عازة للنقل ، وأعادت تدوير نفسها داخل الجيش والأجهزة الأمنية بعد سقوط البشير.
والمعركة الحالية في السودان ليست صراعًا محليًا على السلطة، بل مواجهة بين مشروعين: مشروع يسعى لبناء دولة مدنية جديدة خارج قبضة الإسلام السياسي، ومشروع يحاول إعادة إحياء “الجمهورية الجهادية الأولى”.
الدعم الدولي للقوى السودانية العلمانية. و التي تدعوا إلى دولة المواطنة ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية عالمية. فالسماح بعودة السودان إلى قبضة الشبكات التي خرجت منها القاعدة سيكون خطأً جيوسياسيًا فادحًا يعيد إنتاج مخاطر نيروبي ودار السلام ونيويورك وباريس.
اليوم، السودان يقف عند خطّ حاسم:
إمّا أن يصبح جدار حماية عالمي (global firewall)، أو يتحول إلى ثغرة مفتوحة تُعيد كتابة التاريخ بدماء جديدة وبنسخة أكثر تطورًا من المشروع ذاته.

إرسال التعليق

لقد فاتك