عزيز الدودو : التلوث الكيميائي في الخرطوم - صوت الوحدة

عزيز الدودو : التلوث الكيميائي في الخرطوم

تُسطّر الحرب في السودان فصلاً جديداً من التدهور الأخلاقي الذي يتجاوز حدود الصراع التقليدي ليلامس جوهر الإنسانية. لم يعد الأمر مجرد اقتتال على السلطة، بل تحوّل إلى حرب ضد الحياة ذاتها، حيث تُستَخدَم مواد مُصممة لإنقاذ الأرواح في عمليات تدمير مُمنهج. إن التقرير الصادم الذي كشفت عنه منصة “المراقبون” التابعة لقناة فرانس 24، والمُوثِّق لاستخدام الكلور، المادة الأساسية لتعقيم مياه الشرب، كسلاح كيميائي محرم، يُمثِّل نقطة تحول خطيرة تُوجب المساءلة الدولية العاجلة.
إن الأدلة التي جُمِعَت، والتي شملت صوراً وتسجيلات وشهادات شهود عيان، وتأكيدات من خمسة خبراء عالميين في الأسلحة الكيميائية بأن الأنماط المُشاهدة تتطابق مع “قصف جوي ببراميل كلور”، لا تترك مجالاً للشك حول هذه الجريمة. وما يزيد الأمر بشاعة هو أن هذه البراميل تحمل رموز تصدير تؤكد أنها كانت مُخصصة أصلاً لأغراض مدنية وإنسانية. هذا التحويل من أداة للحياة إلى سلاح للموت هو انتهاك صارخ لكل المواثيق والأعراف الدولية، ويضع المسؤولين عنه في مصاف مرتكبي جرائم الحرب. ورغم الإنكار الرسمي من الحكومة السودانية، فإن هذه التوثيقات المستقلة تشكل دليلاً دامغاً لا يمكن تجاهله.
إن كارثة استخدام الأسلحة الكيميائية لا تتوقف عند الكلور؛ فالتقارير تشير إلى تلوث كيميائي يمتد ليشمل نحو 30 حياً سكنياً في قلب العاصمة، من القصر الجمهوري وصولاً إلى الأحياء المكتظة. هذه الهجمات خلَّفت وراءها أزمة صحية وبيئية عميقة وممتدة الأثر. لقد رأينا آثارها المروعة في وفاة شخصيات قيادية مثل الدكتورة ليلى حمد النيل بأعراض تنفسية غامضة تتطابق مع الإصابات الكيميائية، وفي الأعراض المروعة التي وثقتها منظمة العفو الدولية على الناجين، من آلام معوية حادة وتقرحات جلدية وصولاً إلى فقدان البصر ومشاكل تنفسية كانت السبب الأكثر شيوعاً للوفاة.
ولعل الأثر الأطول والأكثر خطورة يكمن في التهديد الذي يواجه الأجيال القادمة. فالزيادة غير المسبوقة في حالات الإجهاض وولادة الأطفال بتشوهات غير مألوفة في مستشفيات سنار تُنذر بكارثة صحية وإنجابية بعيدة المدى. لقد تحوّلت الخرطوم، عاصمة الحياة والثقافة، إلى بؤرة تلوث كيميائي لا تقتصر مخاطرها على اللحظة الآنية بل تمتد إلى تلويث التربة والمياه الجوفية والهواء، ما قد يتطلب جهود تنظيف تستمر لأربعة عقود كاملة، بحسب تحذيرات الخبراء.
في ظل هذه الظروف الكارثية، يصبح التحذير من عودة المدنيين إلى الخرطوم ليس مجرد نصيحة، بل واجباً أخلاقياً وإنسانياً. إن المجتمع الدولي مُلزم اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحرك العاجل لإجراء تحقيق دولي مستقل ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم بموجب القانون الدولي. لقد تحوّلت الحرب في السودان إلى “حرب ضد الإنسانية”؛ ويجب على العالم أن يرفع صوته عالياً لوقف هذا التدمير وحماية المدنيين من تداعياته الصحية والبيئية التي ستلاحقهم لعقود.

إرسال التعليق

لقد فاتك