كاربينو يكتب : تأسيس في نظر المبعوث الأممي من واقع شعبي إلى حقيقة دولية - صوت الوحدة

كاربينو يكتب : تأسيس في نظر المبعوث الأممي من واقع شعبي إلى حقيقة دولية

تصريحات مبعوث الأمم المتحدة الشخصي للأمين العام رمطان لعمامرة ، حول استعداده لمناقشة جهود السلام مع الأطراف السودانية بما في ذلك تحالف “تأسيس” الذي وُلد حديثاً ، تعكس تحولاً نوعياً في طبيعة النظرة الأممية للمشهد السوداني ، هذا الموقف يشي بأن المجتمع الدولي بدأ يتعامل بجدية مع التحولات العميقة التي فرضها الواقع على الأرض ، وأن “تأسيس” لم يعد مجرد تيار محلي أو مبادرة سياسية ، بل أصبح كياناً يحجز مكانه بين اللاعبين الأساسيين في مستقبل السودان.
إن عودة رمطان لعمامرة إلى الإقليم ليست مجرد جولة بروتوكولية ، بل خطوة سياسية ذات دلالات مهمة ، فالإقرار بضرورة الجلوس مع “تأسيس” يعكس قراءة متقدمة لما أحدثته هذه الحكومة من تغيير في معادلة القوة والشرعية ، لقد فرضت حكومة تأسيس وجودها عبر استنادها إلى حشود جماهيرية واسعة والتفاف شعبي نادر ، جعلها تتجاوز مرحلة التأسيس إلى طور الفعل السياسي والدبلوماسي ، الأمر الذي يدفع الفاعلين الدوليين إلى التعامل معها باعتبارها حقيقة قائمة لا يمكن تجاوزها.
الرد المنتظر من حكومة تأسيس لا ينبغي أن يقتصر على الترحيب بمساعي الأمم المتحدة فحسب ، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى تثبيت سرديتها السياسية على المستوى الإقليمي والدولي ، فالمجتمع الدولي يتعاطى مع الوقائع وحكومة تأسيس هي اليوم واحدة من أبرز هذه الوقائع ، إذ تمثل نتاجاً لإرادة شعبية ووعياً جمعياً بدأ يتبلور في مواجهة هشاشة النظام القديم وتصدع مؤسساته ، ومن هنا فإن التعاطي الذكي مع تصريحات رمطان لعمامرة يعني تثبيت مبدأ أن السلام لا يمكن أن يمر إلا عبر القبول بالتحولات التي أفرزتها تضحيات الشعب ، وعلى رأسها بروز حكومة تأسيس كفاعل محوري.
إن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة حكومة تأسيس على تحويل هذا الاعتراف الضمني إلى منصة التواصل الندي ، بما يرسخ سيادتها ويمنحها مساحة للمناورة الإيجابية في الساحة الدولية ، فكلما توسعت رقعة الالتفاف الشعبي كلما تزايدت قدرتها على تحقيق الاستقرار في المناطق التي تباشر عملها منها ، كلما أصبح المجتمع الدولي أكثر ميلاً للتعامل معها بوصفها حقيقة سياسية لا يمكن القفز فوقها.
بهذا المعنى فإن تصريحات مبعوث الأمم المتحدة ليست مجرد إشادة عادية ، بل هي نافذة لمرحلة جديدة تقتضي من حكومة تأسيس أن تتقن لغة الخطاب الدولي بقدر إتقانها للتماهي مع تطلعات الجماهير في الداخل ، لأن الجمع بين الشرعية الشعبية والاعتراف الأممي هو مفتاح العبور نحو سودان جديد يتجاوز الانقسامات ويؤسس لمرحلة تاريخية مغايرة.

إرسال التعليق

لقد فاتك